حبيب الله الهاشمي الخوئي

56

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

غير مغادر ) شيء أي لا يغادر ولا يبقى صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصيها . ( ونؤمن به ) أي نصدّقه بقول مقول وعمل معمول وعرفان بالعقول واتّباع الرّسول ( ايمان من عاين الغيوب ) وشاهد بعين اليقين الغيب المحجوب عن غمرة الموت وسكرته وضيق القبر وظلمته وطول البرزخ ووحشته وعقبات السّاعة ودواهيها وأهوال القيامة وشدائدها ( ووقف ) أي اطَّلع ( على الموعود ) من الرّفد المرفود والطلح المنضود والسّدر المخضود والظل الممدود وغيرها ممّا وعد به المتّقون ، أو النّار ذات الوقود والقيح والسّديد والعذاب الشّديد ونزل الحميم وتصلية الجحيم ونحوها ممّا وعد به المجرمون . وانّما خصّ ايمان المعاين الواقف بالبيان لكونه أقوى درجات الايمان ، فانّ من الايمان ما يكون بحسب التقليد ، ومنه ما يكون بحسب البرهان وهو علم اليقين ، وأقوى منه الايمان بحسب الكشف والمشاهدة ، وهو عين اليقين وذلك هو الايمان الخالص . وفي الكافي باسناده عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول : إنّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صلَّى بالنّاس الصّبح فنظر إلى شابّ في المسجد وهو يخفق ويهوى برأسه مصفرا لونه وقد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : كيف أصبحت يا فلان قال : أصبحت يا رسول الله موقنا ، فعجب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من قوله وقال : إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك فقال : إنّ يقيني يا رسول الله هو الَّذي أخرنني وأسهر ليلي وأظمأ هو اجرى فعزفت نفسي عن الدّنيا وما فيها حتّى كأني أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب وحشر الخلايق لذلك وأنا فيهم ، وكأنّي انظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون على الأرائك متّكؤون ، وكأنّي أنظر إلى أهل النّار وهم فيها معذّبون مصطرخون ، وكأنّي الآن أسمع زفير النّار يدور في مسامعي ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لأصحابه : هذا عبد نوّر الله قلبه بالايمان ، ثمّ قال له : ألزم ما أنت عليه ، فقال الشاب : ادع الله لي يا رسول الله أن ارزق الشّهادة معك ، فدعى له رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم